ابراهيم بن عمر البقاعي

432

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كانوا يدعون الذكاء ، ويفعلون ما لا يفعله عاقل ، أمره أن يقول لهم ما ينبههم على غباوتهم بما يصيرون إليه من شقاوتهم فقال : قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ أي الذين خسارتهم هي الخسارة لكونها النهاية في العطب الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي بدخولهم النار التي هي معدن الهلاك لعبادتهم غير اللّه من كل ما يوجب الطغيان . ولما كان أعز ما على الإنسان بعد نفسه أهله الذين عزه بهم قال : وَأَهْلِيهِمْ أي لأنهم إن كانوا مثلهم فحالهم في الخسارة كحالهم ، ولا يمكن أحدا منهم أن يواسي صاحبه بوجه فإنه لكل منهم شأن يغنيه ، وإن كانوا ناجين فلا اجتماع بينهم . ولما كانت العاقبة هي المقصودة بالذات ، قال : يَوْمَ الْقِيامَةِ لأن ذلك اليوم هو الفيصل لا يمكن لما فات فيه تدارك أصلا ولما كان في ذلك غاية الهول . كرر التعريف بغباوتهم تنبيها على رسوخهم في ذلك الوصف على طريق النتيجة لما أفهمه ما قبله ، فقال مناديا لأنه أهول مبالغا بالاستئناف وحرف التنبيه وضمير الفصل وتعريف الخبر ووصفه : أَلا ذلِكَ أي الأمر العظيم البعيد الرتبة في الخسارة جدا هُوَ أي وحده الْخُسْرانُ أتى بصيغة الفعلان المفهم مطلقا للمبالغة فكيف إذا بنيت على الضم الذي هو أثقل الحركات ، وزاد في تقريعهم بالغباوة بقوله : الْمُبِينُ * . ولما علم بهذا أنه البين في نفسه المنادي بما فيه من القباحة بأنه لا خسران غيره ، فصله بقوله على طريق التهكم بهم : لَهُمْ فإن عادة اللام عند مصاحبة المجرور ولا سيما الضمير إفهام المحبوب للضمير لا سيما مع ذكر الظلل ، وأشار إلى قربها منهم بإثبات الجار فقال : مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ ولما أوهمهم ذلك الراحة ، أزال ذلك بقوله : مِنَ النَّارِ وذلك أنكأ مما لو أفهمهم الشر من أول الأمر . ولما كان في القرار - كائنا ما كان على أي حال كان نوع من الراحة بالسكون ، بين أنهم معلقون في غمرات الاضطراب ، يصعدهم اللهيب تارة ، ويهبطهم انعكاسه عليهم برجوعه إليهم أخرى ، فلا قرار لهم أصلا كما يكون الحب في الماء على النار ، يغلي به صاعدا وسافلا ، لا يقر في أسفل القدر أصلا لقوله : وَمِنْ تَحْتِهِمْ . ولما كان كون الظلة المأخوذة من الظل من تحت في غاية الغرابة ، أعادها ولم يكتف بالأولى ، ولم يعد ذكر النار لفهمها في التحت من باب الأولى فقال : ظُلَلٌ ومما يدل على ما فهمته من عدم القرار ما رواه البخاري في صحيحه عن سمرة بن جندب رضي اللّه عنه قال : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال : من رأى منكم الليلة رؤيا ، فسألنا يوما قلنا : لا ، قال : لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي وأخرجاني إلى الأرض المقدسة - فذكره بطوله حتى قال : فانطلقنا إلى نقب مثل